تخلت الأسواق العالمية عن جزء من المكاسب التي حققتها عقب إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، مع دخول الاتفاق يومه الثاني وظهور مؤشرات على توتره. سيطر الحذر على تعاملات المستثمرين في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، وسط اتهامات متبادلة بانتهاك الهدنة، مما أعاد التقلبات إلى الأسواق وأبقى المخاوف قائمة بشأن استقرار إمدادات الطاقة، خصوصاً مع استمرار أهمية مضيق هرمز كممر رئيسي لنحو 20% من تجارة النفط العالمية.
تراجع الأسهم الأوروبية والآسيوية
افتتحت الأسهم الأوروبية جلسة الخميس على انخفاض بعد صعود قوي في الجلسة السابقة، مع تقييم المستثمرين لهشاشة الهدنة بين واشنطن وطهران. انخفض مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 0.4%، وتداولت معظم البورصات والقطاعات الرئيسية في المنطقة باللون الأحمر. سجل مؤشر فايننشال تايمز 100 البريطاني تراجعاً بنسبة 0.1%، ومؤشر كاك 40 الفرنسي بنسبة 0.5%، فيما هبط مؤشر داكس الألماني بنحو 0.9%. جاء هذا التراجع بعد ارتفاع المؤشر الأوروبي بنسبة 3.7% في جلسة الأربعاء بدعم التفاؤل الأولي بإعلان وقف إطلاق النار.
وكان قطاع السفر والترفيه الأكثر تأثراً، حيث خسرت شركتا لوفتهانزا وتوي الألمانيتان نحو 3.5% من قيمتهما، متخلّيتين عن جزء من مكاسبهما السابقة التي قاربت 10%، ما يعكس حساسية هذه القطاعات تجاه التطورات الجيوسياسية وتوقعات الطلب على السفر.
امتد الحذر إلى أسواق آسيا والمحيط الهادئ، حيث أغلقت معظم المؤشرات على انخفاض مع تقييم المستثمرين لاحتمالات استمرار الهدنة. تراجع مؤشر نيكي 225 الياباني بنسبة 0.73% ليغلق عند 55,895.32 نقطة، وانخفض مؤشر توبكس بنسبة 0.90%. في كوريا الجنوبية، هبط مؤشر كوسبي بنسبة 1.61%، وتراجع مؤشر كوسداك للشركات الصغيرة بنسبة 1.27%. كما انخفض مؤشر CSI 300 في الصين القارية بنسبة 0.64%، ومؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ بنسبة 0.71%. في الهند، هبط مؤشر نيفتي 50 بنسبة 0.89%، ومؤشر سينسكس بنسبة 0.96%، وسط تحذيرات من البنك المركزي الهندي بشأن تصاعد المخاطر التضخمية وتأثيرها المحتمل على النمو الاقتصادي.
على النقيض، سجل مؤشر S&P/ASX 200 الأسترالي مكاسب طفيفة بنسبة 0.24%، مدعوماً بمرونة بعض القطاعات المحلية.
ارتفاع أسعار النفط وتراجع العقود الآجلة للأسهم الأميركية
عادت أسعار النفط للارتفاع بعد انخفاض حاد عقب إعلان الهدنة، مع استمرار تسعير المخاطر الجيوسياسية. ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 3.1% لتصل إلى 97.76 دولاراً للبرميل، بينما صعدت عقود خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3.2% إلى 97.44 دولاراً للبرميل، مما يعكس القلق من احتمال تعثر الاتفاق أو تأخر عودة تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
في الولايات المتحدة، تراجعت العقود الآجلة للأسهم بعد المكاسب القوية التي سجلتها المؤشرات الرئيسية في الجلسة السابقة. انخفضت العقود الآجلة لمؤشري S&P 500 وناسداك 100 بنسبة 0.3% لكل منهما، بينما تراجعت العقود المرتبطة بمؤشر داو جونز الصناعي بنحو 146 نقطة. وكان أداء الأسواق الأميركية في جلسة الأربعاء استثنائياً، حيث ارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 2.51%، وصعد ناسداك المركب بنسبة 2.8%، وقفز داو جونز بأكثر من 1300 نقطة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ أبريل 2025، مدعوماً بالتفاؤل الأولي بإعلان الهدنة.
اتهامات بخرق الهدنة وتوقعات بحذر مستمر
جاءت هذه التحركات بعد أن اتهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الولايات المتحدة بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار خلال أقل من 24 ساعة على إبرامه، مشيراً إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان ودخول طائرة مسيرة إلى الأجواء الإيرانية، فضلاً عن حرمان طهران من حقها في تخصيب اليورانيوم.
في المقابل، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن القوات العسكرية الأميركية ستظل منتشرة في إيران ومحيطها حتى تلتزم طهران بالكامل بما وصفه بـ”الاتفاق الحقيقي”، محذراً من أن أي خرق للهدنة سيؤدي إلى رد عسكري واسع النطاق.
تعكس حركة الأسواق في ثاني أيام الهدنة حالة من التفاؤل الحذر، حيث يوازن المستثمرون بين الأثر الإيجابي لتهدئة التوترات الجيوسياسية والمخاطر المرتبطة بهشاشة الاتفاق. ويظل مستقبل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.
يرى محللون أن استمرار الهدنة قد يدعم استقرار الأسواق ويخفف الضغوط التضخمية، في حين أن أي تصعيد جديد قد يعيد موجة تقلبات حادة، خصوصاً في أسواق الطاقة والأسهم. كما يترقب المستثمرون صدور بيانات اقتصادية مهمة، منها مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) وطلبات إعانة البطالة في الولايات المتحدة، لما لها من تأثير محتمل على السياسات النقدية.
تعكس خسائر الأسواق العالمية في ثاني أيام الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران مع تصاعد المخاوف بشأن استدامة وقف إطلاق النار حساسية المستثمرين تجاه التطورات الجيوسياسية. وبينما لا تزال الآمال قائمة بتحول الهدنة إلى اتفاق دائم، فإن حالة عدم اليقين ستبقي الأسواق عرضة للتقلبات خلال الفترة المقبلة.
من جانبها، قالت استراتيجية الأسواق المالية في شركة CFI، سارة الياسري، إن عودة المخاوف إلى الأسواق تعكس هشاشة الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة. وأوضحت أن رد الفعل الأولي للأسواق كان إيجابياً وبدرجة من التفاؤل “المبالغ فيه”، نظراً لأن هذا السيناريو لم يكن الأكثر ترجيحاً قبل إعلان الهدنة.
وأضافت الياسري أن غالبية التوقعات كانت تميل إلى مزيد من التصعيد، مما جعل الهدنة مفاجئة للأسواق، وهو ما يفسر موجة الارتفاعات في الجلسة السابقة، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية مرشحة لدخول حالة استقرار حذر.
وأوضحت أن الأسواق عادة ما تمر بردتين من ردود الفعل، الأولى سريعة ومباشرة، والثانية تبدأ بعد نحو أسبوعين مع إعادة تقييم أعمق للمشهد، متوقعة تراجع الزخم الإيجابي خلال هذه الفترة بانتظار وضوح الصورة السياسية والاقتصادية.
وأشارت إلى أن حالة الاستقرار المتوقعة خلال الأسبوعين المقبلين ستصاحبها حذر، مع توقف موجة التفاؤل التي سيطرت على الأسواق خلال الأسابيع الماضية، خاصة مع ترقب بيانات اقتصادية مهمة في الأسبوع الحالي.



