صعود بتكوين في ظل الحرب
تجاوزت بتكوين مستوى 75 ألف دولار خلال جلسات التداول يوم الثلاثاء، مسجلة مكاسب ملحوظة منذ بداية الحرب في إيران نهاية فبراير، قبل أن تتراجع قليلاً إلى نحو 74 ألف دولار في جلسات اليوم التالي. هذا الأداء اللافت جاء في وقت تشهد فيه الأسواق عادة هبوطاً في الأصول عالية المخاطر، ما يعكس تحركاً غير تقليدي للعملة المشفرة الكبرى.
يطرح هذا الصعود تساؤلات حول طبيعة بتكوين كأصل مالي، وهل بدأت تلعب دوراً مختلفاً في أوقات التوترات الجيوسياسية، حيث لا يمكن عزو الأداء إلى سبب واحد بل إلى تداخل عوامل مالية وفنية وجيوسياسية.
تدفقات مؤسسية وتحولات في مراكز السوق
أحد المحركات الرئيسة للصعود هو عودة السيولة المؤسسية إلى السوق. فقد شهدت صناديق بتكوين الفورية المتداولة في الولايات المتحدة تدفقات داخلية بنحو 1.5 مليار دولار خلال الشهر الحالي، مع تسجيل 12 صندوقاً أميركياً متداولاً تدفقات صافية إيجابية بلغت 763 مليون دولار الأسبوع الماضي، محققة ثالث أسبوع متتالي من التدفقات الإيجابية. وبلغ إجمالي التدفقات منذ بداية مارس نحو 1.3 مليار دولار، في حين جذبت الصناديق نحو 659 مليون دولار في الشهر الماضي.
كما استحوذ صندوق “بلاك روك آي بيت” على حوالي 78% من هذه التدفقات، مما يشير إلى عمليات شراء مدفوعة بقناعة استثمارية وليس مضاربات فقط. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت شركة ستراتيجي عن شراء ما يقارب 1.6 مليار دولار من بتكوين خلال الأسبوع الماضي، في أكبر صفقة منذ يناير.
في الوقت نفسه، ساهم إغلاق رهانات البيع على انخفاض بتكوين إلى ما دون 55 ألفاً إلى 60 ألف دولار في تعزيز الصعود الأخير. حيث أظهرت بيانات منصة “ديربيت” أن نحو 1.5 مليار دولار من عقود البيع كانت مركزة حول مستوى 60 ألف دولار، مقابل 1.3 مليار دولار من عقود الشراء عند 75 ألف دولار، مما أدى إلى ضغط شراء إضافي من صناع السوق لإعادة توازن مراكزهم.
هذا التحول جاء بعد تراجع مؤقت للعملة إلى 63038 دولاراً عقب بدء الحرب في 28 فبراير، ثم ارتدادها صعوداً، ما وصفه محللون بأنه انتقال من تعافٍ هيكلي إلى تداول قائم على الزخم.
الظروف الفنية والجيوسياسية
دخلت بتكوين فترة الحرب من وضع ضعيف نسبياً، بعد موجة تراجع بدأت في أكتوبر مع تصفية مراكز مالية بقيمة 19 مليار دولار في يوم واحد. ومنذ ذلك الحين، تحركت العملة ضمن نطاق بين 60 ألفاً و100 ألف دولار دون اختراق مستدام.
ويرى محللون أن الصعود الحالي يعكس جزئياً إعادة تسعير بعد فترة من الضغوط وليس موجة مضاربة جديدة، مع احتمال أن يكون الارتفاع ارتداداً تقنياً في ظل تغطية مراكز البيع وعودة شهية المخاطرة.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، عززت الحرب جاذبية بتكوين كبديل للنظام المالي التقليدي، خصوصاً في بيئات تعاني قيوداً على حركة الأموال مثل إيران. فالعملة الرقمية تتيح نقل القيمة عبر الحدود دون وسطاء، ولا تخضع لسيطرة حكومية مباشرة، ما يجعلها ملاذاً في ظل العقوبات والقيود المالية.
وفقاً لخبراء، يستخدم الإيرانيون العملات المشفرة بشكل متزايد لتخزين الأموال وتحويلها خلال فترات الاضطراب، مع ارتفاع ملحوظ في تدفقات العملات الرقمية من وإلى المنصات المحلية والأجنبية عقب اندلاع الضربات الجوية في فبراير.
يُقدّر حجم سوق العملات المشفرة في إيران بين 8 و10 مليارات دولار خلال العام الماضي، مع تلقي المحافظ الإيرانية نحو 7.8 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ 7.4 مليار دولار في 2024 و3.17 مليار دولار في 2023.
كما تشير التقارير إلى أن البنك المركزي الإيراني اشترى أكثر من 500 مليون دولار من الأصول الرقمية المرتبطة بالدولار خلال عام واحد، في إطار استراتيجية لتجاوز النظام المصرفي العالمي.
وتتداخل الاستخدامات الفردية والرسمية للعملات الرقمية في إيران، حيث يُعتقد أن الحرس الثوري يسيطر على أكثر من 50% من نشاط العملات المشفرة في الربع الأخير من العام الماضي، مع تقديرات بنقل عملات مشفرة بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار منذ 2023.
هذا النشاط المتسارع يعكس توجه نحو استخدام العملات المشفرة كأداة لحفظ القيمة ونقل الأموال بعيداً عن القيود المصرفية، خاصة مع تراجع قيمة الريال وصعوبة الحصول على العملات الأجنبية.
في الوقت نفسه، يدرس محققون أميركيون ما إذا كانت بعض منصات التداول تسهل التهرب من العقوبات عبر تحويل الأموال أو تمويل الواردات.
في المجمل، يعكس أداء بتكوين خلال الفترة الأخيرة تفاعلاً مع عوامل متعددة تشمل عودة الطلب المؤسسي، إغلاق مراكز البيع، ظروف السوق الفنية، والتوترات الجيوسياسية التي تعزز دور العملة الرقمية كأصل بديل في بيئات معقدة.




