بينما كانت مصر تستعد لاستمرار انخفاض معدلات التضخم لتصل إلى خانة الآحاد بنهاية العام الجاري، فرضت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مساراً مختلفاً للمؤشر، وفقاً لتحليلات خبراء محليين.
وأشار المحللون إلى أن الصراع الإقليمي يخلق ضغوطاً تضخمية جديدة قد تقضي على الانخفاض الذي شهدته مصر خلال الأشهر الماضية، مع توقعات بارتفاع معدل التضخم إلى مستويات لم تُسجل منذ مايو 2025، حين تجاوز 16%.
واتفق الخبراء على أن ارتفاع أسعار النفط واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتزايد ضغوط سعر الصرف هي عوامل رئيسية قد تدفع التضخم إلى صعود غير متوقع، ما يؤثر بدوره على توجهات تحديد أسعار الفائدة على الجنيه المصري.
ارتفاع الدولار وأسعار النفط يضغطان على الاقتصاد
شهد سعر الدولار في مصر ارتفاعاً بنسبة 4% ليكسر حاجز 52 جنيهاً، في ظل تأهب الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية لضمان توفير السلع الأساسية إذا استمرت الحرب لفترة أطول.
قالت إسراء أحمد، الاقتصادي الأول بوحدة بحوث رامبل في شركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، إن استمرار ارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات الإقليمية يشكل خطراً مباشراً على مسار التضخم في مصر، مع توقعات بزيادة أسعار الوقود التي ستنعكس مباشرة على معدلات التضخم.
بدورها، أكدت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية ونائب رئيس بنك مصر السابق، أن التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد ستؤدي إلى زيادة التضخم وضغوط على سعر صرف الجنيه، ما يحد من قدرة البنك المركزي على مواصلة سياسة التيسير النقدي التي بدأها العام الماضي.
من جهته، توقع الخبير الاقتصادي محمد أنيس ارتفاع التضخم بين 2 و3% فوق مستوياته الحالية التي تقل عن 12% إذا وصل الدولار إلى 56 جنيهاً، مشيراً إلى أن استمرار أسعار النفط فوق 80 دولاراً للبرميل سيؤثر على الموازنة العامة، لكن الأثر التضخمي المباشر مرتبط برفع أسعار المحروقات محلياً.
وحذر أنيس من أن تزامن ارتفاع الدولار والنفط مع زيادة أسعار الوقود والحبوب قد يعيد التضخم إلى مستويات 15–16% بدلاً من الانخفاض الحالي.
تراجع قيمة الجنيه وتأثيره على السياسات النقدية
أكدت إسراء أحمد أن حجم التأثيرات السلبية على الاقتصاد المصري يعتمد على مدة التصعيد الإقليمي، مشيرة إلى أن استمرار الأزمة سيزيد الضغوط على التدفقات الأجنبية.
وسجل الجنيه المصري تراجعاً حاداً منذ بداية الحرب الإيرانية، حيث فقد أكثر من 1.8% من قيمته ليصل إلى 50.25 جنيهاً بنهاية تعاملات الأربعاء.
ورأى أنيس أن تداول الدولار بين 48 و50 جنيهاً لا يشكل قلقاً، لكنه أشار إلى احتمال ارتفاع أكبر في حال تسارع خروج الاستثمارات غير المباشرة، خصوصاً إذا تجاوزت قيمة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومي 20 مليار دولار، ما قد يدفع الدولار إلى مستويات بين 52 و56 جنيهاً.
في ظل هذه الظروف، استبعدت إسراء أحمد استمرار خفض البنك المركزي لأسعار الفائدة، خصوصاً مع وجود ضغوط تضخمية قائمة قبل اندلاع الحرب، حيث كان متوقعاً أن يصل معدل التضخم في فبراير إلى 12.4% مقارنة بـ 11.9% في يناير، نتيجة ارتفاع أسعار السلع الغذائية والدواجن والسجائر والتعليم.
ورغم ذلك، أشارت إلى أن قدرة مصر على مواجهة التداعيات الحالية أفضل مقارنة بأزمة حرب أوكرانيا وروسيا، مع تحسن مؤشرات الاقتصاد مثل معدلات النمو والتدفقات الأجنبية وتراجع التضخم.
واتفقت الدماطي مع هذا الرأي، معتبرة أن تثبيت أسعار الفائدة هو الخيار الأرجح حالياً، مع احتمال لجوء البنك المركزي للتشديد النقدي إذا استمرت الضغوط التضخمية أو رفع الفيدرالي الأميركي للفائدة.
وأوضحت الدماطي أن الاقتصاد المصري لا يزال متماسكاً بفضل احتياطيات النقد الأجنبي القوية وتدفقات النقد من المغتربين واللاجئين.
من جانبه، توقع محمد أنيس استمرار البنك المركزي في دورة التيسير النقدي ولكن بوتيرة أبطأ، مع توقع زيادة الضغوط التضخمية بسبب الحرب، ورجح خفض أسعار الفائدة إلى 5–6% خلال عام 2026، مع احتمال تأجيل خفض جديد إلى النصف الثاني من العام.
وأشار إلى أن البنك المركزي بدأ خفض الفائدة بمقدار 1% في اجتماع لجنة السياسة النقدية في فبراير الماضي، لكنه أصبح من الصعب اتخاذ قرار خفض آخر في اجتماع أبريل الحالي.
يذكر أن البنك المركزي المصري خفض الفائدة على الجنيه بمقدار 8.25% منذ أبريل من العام الماضي، ما أدى إلى تراجع الفائدة على الإيداع والإقراض إلى 19% و20% على التوالي.
وخلال هذه الفترة، انخفض معدل التضخم في مصر تدريجياً من حوالي 16.8% في مايو 2025 إلى 11.9% بنهاية يناير الماضي، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.



