شهدت أسعار الفضة في يناير 2026 ارتفاعاً غير مسبوق، حيث تجاوزت للمرة الأولى حاجز 100 دولار للأوقية، في تطور يعكس تحولات كبيرة في مسار هذه السلعة خلال المئة عام الماضية.
تُعتبر الفضة من السلع النادرة التي بقيت لفترات طويلة دون أن تتجاوز القمم السعرية التي سجلتها خلال الطفرات الكبرى في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، قبل أن تحقق أخيراً مستويات قياسية جديدة.
محطات تاريخية في تقلبات أسعار الفضة
خلال الحرب العالمية الثانية بين عامي 1939 و1945، استقر سعر الفضة عند نحو 0.8 دولار للأوقية، قبل أن يرتفع إلى حوالي دولارين في عهد نظام بريتون وودز الممتد من 1945 حتى 1971. وتشير البيانات إلى أن سعر الفضة وصل إلى نحو 0.5 دولار للأوقية خلال فترة الكساد الكبير بين 1925 و1939.
في عام 1971، انخفض السعر إلى نحو 1.3 دولار عقب قرار نيكسون بفصل الدولار عن الذهب، لكنه شهد ارتفاعاً حاداً خلال أزمة الأخوين هانت بين 1979 و1980، حيث وصل إلى حوالي 49.45 دولاراً للأوقية.
تبع ذلك انهيار طويل في الأسعار بين 1981 و2000، حيث هبط السعر إلى نحو 6 دولارات، ثم انخفض إلى قرابة 5 دولارات مع فقاعة الإنترنت عام 2001. بين 2001 و2008، ارتفعت الأسعار تدريجياً إلى نحو 20 دولاراً، قبل أن تصل إلى نحو 30 دولاراً بين 2008 و2011 نتيجة سياسات التيسير الكمي بعد الأزمة المالية العالمية.
في 2011، لامس سعر الفضة 48 دولاراً مع بداية التعافي الاقتصادي، لكنه دخل فترة هبوط نسبي استمرت حتى 2020 عند مستوى حوالي 30 دولاراً. في ظل جائحة كورونا وتحولات أسواق الطاقة بين 2020 و2025، استقرت الأسعار قرب 30 دولاراً، قبل أن تسجل ذروة جديدة عند 50 دولاراً في أكتوبر 2025.
عوامل دفع صعود أسعار الفضة
شهد عام 2025 موجة ارتفاع غير مسبوقة في أسعار الفضة، نتيجة تداخل عوامل متعددة اقتصادية وجيوسياسية وتقنية وقانونية أثرت على جانب العرض والطلب، منها:
- تفاقم الديون العالمية، تراجع القوة الشرائية للعملات، ضعف العوائد الحقيقية، وتوجه البنوك المركزية إلى التيسير النقدي، بالإضافة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية وانخفاض الثقة في الأصول الورقية، مما زاد الطلب على المعادن النفيسة.
- قيود العرض المرتبطة بإنتاج الفضة كناتج ثانوي لمعادن أخرى، حيث يتأثر المعروض بالتنظيمات البيئية والضريبية واللوجستية، وأي اضطراب في إنتاج المعادن الأساسية يؤثر مباشرة على الفضة.
- عوامل قانونية ولوجستية تتضمن إدراج الفضة ضمن مسودة “المعادن الحرجة”، مخاوف من تعريفات جمركية، تسارع الشحن إلى الولايات المتحدة، اختناقات التمويل، ارتفاع تكلفة الاقتراض، انكماش المخزونات القابلة للتسييل، وتوسع الفجوة بين السوق الفورية والآجلة.
- زيادة الطلب الصناعي نتيجة توسع استخدام الفضة في مجالات الطاقة الشمسية، الإلكترونيات، السيارات الكهربائية، الصناعات الكيميائية، المجال الطبي وتنقية المياه، مدفوعة بالتحول نحو الطاقة النظيفة والرقمنة.
مع هذه العوامل المتشابكة، سجلت الفضة في يناير 2026 قفزة تاريخية تخطت بها حاجز 100 دولار للأوقية، مما يعكس تغيرات جوهرية في ديناميات السوق العالمية لهذه السلعة.